في حفل ترقيه جوزي

في حفلة ترقية جوزي، طلعني قدام 300 شخص وسلّمني مقشة عشان يضحك الناس عليّا، وقال لهم إن ده أهم إنجاز في حياتي
بعد خمس دقايق بس، كان واقف قدامي وشه أبيض، وبيسألني برعب
إنتِ عملتي فيا إيه؟!
قصة المقشة اللي ضاعت
رحت حفلة ترقية جوزي وأنا متوقعة إنها هتكون ليلة عادية من الليالي اللي بقف فيها جنبه، أبتسم للناس، وأتصور كام صورة، وأرجع البيت وأنا حاسة إني كنت مجرد جزء من الديكور.
بس اللي حصل الليلة دي كان مختلف تمامًا.
سامح طلعني قدام حوالي 300 شخص، وسلّمني مقشة قدام الكل، وحوّلني لمادة للسخرية وسط الضحك والتصفيق.
أنا ما جادلتش.
ما صرختش.
وما حتى حاولتش أحرجه قدام الناس.
بس انسحبت بهدوء.
وبعد خمس دقايق بالظبط
كان هو اللي واقف قدامي وشه أبيض، وصوته بيرتعش، وبيسألني
إنتِ عملتي فيا إيه؟!
لكن قبل ما أحكيلكم إيه اللي حصل، لازم أرجع معاكم شوية لورا
المراية اللي في أوضة نومنا كانت طول عمرها لطيفة معايا.
لكن الليلة دي، وأنا ببص فيها، حسيت إني شايفة ست غريبة عني.
كنت واقفة قدامها بظبط فستاني الكحلي، وبحط آخر لمسة من البرفيوم، وبعدها لبست الحلق اللولي اللي ورثته عن أمي.
ورايا كان سامح واقف قدام المراية، بيظبط كرافتته بعصبية.
كل شوية يشدها أكتر.
وبعدين يبص لنفسه.
وبعدين يرجع يشدها تاني.
قال من غير حتى ما يبصلي
يا هنا، بلاش الروج ده حطي التاني الهادي.
بصيت لنفسي في المراية ثانيتين، وبعدين غيرته من غير ما أجادله.
أنا أصلًا بطلت أجادل سامح تقريبًا من السنة الرابعة في جوازنا.
قال وهو لسه مركز مع انعكاس صورته
وحاولي تبتسمي النهاردة. مش عايز مود السكوت بتاعك ده. الناس اللي هناك مهمة جدًا.
رديت بهدوء
عارفة إنهم مهمين يا سامح.
لف ناحيتي للحظة وقال
أرجوكي، بلاش كلام ستات البيوت. متقعديش تحكي لهم عن السوبر ماركت والطلبات والحاجات اللي بتعمليها طول اليوم في البيت.
كنت على وشك أضحك.
هو فعلًا ما كانش عنده أي فكرة أنا بعمل إيه طول اليوم.
ولا كان يعرف إن كلمة عميل اللي بسمعها منه كل فترة، مالهاش علاقة لا بالسباك ولا بالدراي كلين.
موبايلي رن.
بصيت للرسالة، وابتسامة صغيرة ظهرت على وشي.
سامح سألني وهو لسه بيظبط شعره
مين؟
قلت
عميل بيأكد معايا ميعاد يوم الاتنين.
ضحك باستخفاف
عميل؟ ماشي.
كان بقاله سنتين بيسمع كلمة عميل وبيفهمها بطريقته.
قلتله بحذر
على فكرة، ممكن أقابل حد أعرفه النهاردة.
رد وهو بيدور على منديل بدلته
ممم كويتي منديل البدلة؟
على السرير.
راح أخده من غير حتى ما يبصلي.
ودي كانت مشكلة سامح طول عمره
كان بيبص في المراية.
بيبص في ساعته.
بيبص في موبايله.
لكن عمره تقريبًا ما كان بيبص ليّا أنا.
في العربية، كان بيراجع خطابه بصوت واطي.
وأنا كنت قاعدة جنبه بتفرج على أضواء الشوارع من الشباك.
كان كل شوية يعيد نفس الكلمة
القيادة القيادة القيادة.
وبعدين قال
افتكري، ابتسامة وشياكة، وسيبيني أنا اللي أتكلم.
بصيت له وقلت
حاضر يا سامح.
ما كنتش أعرف وقتها إن الجملة دي هتفضل ترن في ودني بعد اللي هيحصل.
القاعة كانت فخمة بشكل يخلي أي حد يدخلها يحس إنه دخل مشهد من فيلم.
ثريات ضخمة.
ترابيزات عليها ورد أبيض.
إضاءة متوزعة بعناية.
وشاشات كبيرة ورا المسرح.
سامح نزل من العربية وفتحلي الباب بشياكة زيادة عن اللزوم
الشياكة اللي بتبقى قدام الناس بس.
وبمجرد ما دخلنا، اختفى.
بقى بيسلم على ده، ويضحك مع ده، ويصافح ده، ويقف يتصور مع ناس كتير.
أما أنا
وقفت بعيد، ماسكة شنطتي، وبراقب كل حاجة في صمت.
لحد ما عيني وقعت على ست قاعدة على التربيزة الرئيسية.
ست في أواخر الخمسينات تقريبًا، شعرها فضي، ولبسة بليزر أنيق جدًا.
أول ما شفتها، قلبي دق بسرعة.
مدام إلهام.
مدام إلهام لسه ما كانتش شافتني.
بس أنا كنت شايفاها.
وفجأة حسيت بإحساس غريب جدًا
كأن الليلة دي مش مجرد حفلة ترقية.
كأن حاجة كبيرة هتحصل.
حاجة هتغير كل الموازين.
فجأة، التصفيق علا في القاعة.
سامح مسك الميكروفون.
وبص ناحية الباب.
وبعدين نادى اسمي
هنا! تعالي هنا.
اتجمدت مكاني لحظة.
الناس كلها بدأت تبص عليّا.
طلعت على المسرح بخطوات هادية.
سامح مسك إيدي ووقفني جنبه، وابتسامته كانت واسعة جدًا قدام الكاميرات.
كان واقف كأنه بيقدم مرشح في مؤتمر انتخابي.
وقال
ممكن نحيي هنا مراتي؟
الناس صقفت.
حد صفر.
وحد تاني ضحك.
وأنا ابتسمت.
وفجأة
سامح مد إيده وطلع من ورا المنصة مقشة مربوطة بفيونكة حمرا كبيرة.
القاعة كلها انفجرت في الضحك.
قبل حتى ما أفهم هو ناوي يعمل إيه.
قرب المقشة مني وقال في الميكروفون
أقولكم إيه؟ أهم إنجاز في حياة هنا هو التنظيف والكنس!
ضحك أكتر.
ناس صقفت.
وناس طلعت موبايلاتها تصور.
وأنا
كنت واقفة قدام حوالي 300 شخص.
وشي بيضحك.
لكن جوايا
كان في حاجة بتتكسر.
ضحك الناس كان بيوجعني كأنه موجة بتخبط في وشي مرة ورا مرة.
ومع ذلك
ضحكت أنا كمان.
ضحكة هادية.
ناعمة.
النوع من الضحك اللي الست بتتعلم تلبسه زي الإكسسوار، حتى لو قلبها من جواها بينزف.
بصيت للمقشة في إيدي.
وبعدين بصيت لسامح.
ولأول مرة من سنين
ما حسيتش بالخوف منه.
حسيت بحاجة تانية.
حسيت إني خلصت.
مسكت المقشة كويس.
قربت من الميكروفون.
والقاعة سكتت تدريجيًا، مستنية هقول إيه.
بصيت لسامح في عينه
وابتسمت.
وقلت
بما إنك عرّفت الناس كلها بأهم إنجاز في حياتي اسمحلي أنا كمان أعرّفهم بأهم حاجة في حياتك.
وساعتها
ما حدش ضحك.
لأن مدام إلهام كانت بدأت تقوم من مكانها.
حكايات ليليمدام إلهام قامت من مكانها ببطء.
القاعة كلها بدأت تركز معاها.
سامح بص لها، وابتسامته اختفت لأول مرة.
مدام إلهام؟
ما ردتش عليه.
كانت بتبصلي أنا.
وبعدين قالت بصوت واضح سمعه كل اللي في القاعة
كمّلي يا هنا.
سامح قرب مني بسرعة وهمس من بين أسنانه
هنا انزلي من على المسرح.
بصيت له.
ليه؟
كفاية اللي حصل.
ابتسمت.
لأ لسه ما بدأناش.
وشه اتغير.
مدام إلهام تقدمت كام خطوة ناحية المسرح، وقالت
يا سامح، أنت بنفسك طلبت مني أحضر الليلة دي عشان أتعرف على زوجتك.
سكتت لحظة.
وبعدين بصت للناس وقالت
بس واضح إنك ما كنتش تعرف هي مين.
الهمسات انتشرت في القاعة.
سامح بلع ريقه.
مدام إلهام، الموضوع مجرد هزار
قاطعت كلامه
أنا عارفة إنه هزار.
وبعدين بصت للمقشة اللي في إيدي.
وعشان كده، أعتقد إن الوقت مناسب إن الناس تعرف الحقيقة.
أنا أخدت نفس عميق.
سامح قرب مني أكتر
هنا، أوعي تتكلمي.
بصيت له وقلت
الغريب إنك طول عمرك كنت بتطلب مني أسكت.
ورفعت المقشة قدام الناس.
النهاردة بقى أنا اللي هتكلم.
القاعة سكتت تمامًا.
طلعت موبايلي من شنطتي.
فتحت ملف كنت محتفظة بيه من شهور.
وبصيت لمدام إلهام.
أبدأ؟
هزت راسها.
ابدئي.
رفعت عيني للناس.
سامح قال لكم من شوية إن أهم إنجاز في حياتي هو إني ست بتعرف تكنس وتنظف.
ضحكات خفيفة طلعت من آخر القاعة، لكن سرعان ما اختفت.
بس اللي سامح ما قالوش لكم إني من خمس سنين، وأنا اللي بدير الجزء الأكبر من الشغل اللي خلاه يوصل للمنصب اللي بيحتفل بيه النهاردة.
سامح قاطعني
كدابة!
بصيت له بهدوء.
متأكد؟
سكت.
فتحت أول مستند.
دي أول رسالة من الإدارة التنفيذية، بتاريخ من أربع سنين فيها طلب مباشر مني لمراجعة ملفات مشروع الشركة.
الوشوش بدأت تتغير.
واحد من المديرين قام من مكانه.
لحظة إيه علاقة هنا بالمشروع ده؟
مدام إلهام ردت
لأن هنا كانت مستشارة خارجية للشركة قبل ما سامح ياخد منصبه الحالي.
سامح بص لها بصدمة.
حضرتك تعرفيها؟
ابتسمت.
مش بس أعرفها.
وقفت بجانبي.
أنا اللي رشحتها.
القاعة انفجرت في الهمس.
سامح فضل ساكت.
أنا كملت
كنت بشتغل من البيت. من غير مكتب، ومن غير لقب كبير، ومن غير ما أظهر في أي صورة.
ليه؟
السؤال جه من واحد من الحضور.
بصيت لسامح.
لأن جوزي كان شايف إن نجاحه لازم يظهر باسمه هو.
سامح اتوتر.
هنا، بلاش تفتحي مواضيع قديمة.
رديت
دي مش مواضيع قديمة يا سامح.
ورفعت الموبايل.
دي عقود اتوقعت الشهر اللي فات.
وشه شحب.
لأن دي كانت اللحظة اللي فهم فيها
إن المقشة اللي إدانيها عشان يضحك الناس عليّا
ما كانتش هي اللي ضاعت.
هو اللي كان ضايع.
مدام إلهام مدت إيدها ناحيتي وقالت
هنا، ممكن تديلي المقشة؟
ناولتها لها.
مسكتها بإيدها، ورفعتها قدام سامح.
بما إنك اعتبرتها رمز لإنجاز زوجتك
سكتت لحظة.
وبعدين قالت
فخلّيها معاك.
الناس بدأت تضحك، لكن المرة دي
مش عليّا.
سامح كان واقف ثابت، كأنه مش مصدق اللي بيحصل.
وفجأة موبايله رن.
بص للشاشة.
اتجمد.
مكالمة من رئيس مجلس الإدارة.
رد وهو بيحاول يثبت صوته
ألو؟
ثواني.
وبعدين وشه فقد لونه تمامًا.
دلوقتي؟
سكت.
حاضر حاضر، أنا جاي.
قفل المكالمة.
بصلي.
وبصوت مرتعش قال
إنتِ عملتي فيا إيه؟!
ابتسمت لأول مرة من قلبي.
وقلت
أنا؟
بصيت للمقشة اللي في إيد مدام إلهام.
ولا حاجة.
وبعدين قربت منه خطوة.
أنا بس بطلت أنضف ورا أخطائك.
وفي اللحظة دي
مدام إلهام قالت جملة خلت القاعة كلها تسكت
سامح، قبل ما تروح لرئيس مجلس الإدارة عندي لك خبر أهم.
رفع عينه لها.
قالت
الشركة اللي أنت فاكر إنك هتترقى فيها النهاردة
سكتت.
مش هتكون شركتك من بكرة.
سامح فتح بقه، لكن ما خرجش منه أي صوت.
أما أنا
فبصيت للمقشة مرة أخيرة.
وسبتها على المنصة.
ومشيت.
لكن وأنا نازلة من المسرح، سمعت صوت مدام إلهام ورايا
هنا استني.
وقفت.
لفيت.
قالت
في حاجة لازم تعرفيها عن جوزك.
وبصت لسامح.
حاجة هو مخبيها عنك من سبع سنين.
وقتها بس
فهمت إن المقشة ما كانتش نهاية الحكاية.
كانت أول خيط في سر أكبر بكتير مدام إلهام قالت الجملة الأخيرة، حسيت إن رجلي اتثبتت في الأرض.
من سبع سنين؟
بصيت لسامح.
لأول مرة شفته مش قادر يبص في عيني.
وشه كان جامد، لكن عينيه كانت بتقول كل حاجة.
سامح؟
ما ردش.
مدام إلهام قالت بهدوء
مش هنا.
وأشارت ناحية باب جانبي.
تعالي معايا.
مشيت وراها، وسامح حاول يلحقنا.
لكن واحد من أفراد الأمن وقف قدامه.
لو سمحت يا أستاذ سامح.
سامح بص له بعصبية
ابعد عن طريقي.
مدام إلهام ردت من غير ما تلف
سيبه يا سامح. أنت هتعرف كل حاجة بعد شوية.
دخلنا أوضة صغيرة خلف القاعة.
قفلت الباب.
وأول ما بقينا لوحدنا، مدام إلهام طلعت ملف أسود من شنطتها.
حطته قدامي.
ده بتاعك.
بصيت للملف.
بتاعي أنا؟
أيوه.
فتحته.
أول ورقة كانت عقدًا.
قرأت اسمي.
وبعدين قرأت التاريخ.
من سبع سنين.
رفعت عيني لها.
أنا مش فاهمة.
قالت
قبل جوازك من سامح بشهور، كان فيه مشروع كبير جدًا الشركة داخلة فيه. المشروع كان محتاج شخص يديره من البداية للنهاية.
قلبت الورقة.
لقيت توقيعًا.
توقيعي.
أنا فعلًا فاكرة الورقة دي.
لكن كنت فاكرة إنها كانت مجرد اتفاقية استشارة مؤقتة.
سامح قال لي وقتها إن الموضوع خلص.
مدام إلهام هزت رأسها.
ما خلصش.
طلعت ورقة تانية.
أنتِ كنتِ صاحبة الفكرة الأساسية للمشروع.
اتسعت عيني.
إيه؟
سامح عرف إن المشروع ممكن يغير مستقبله بالكامل. وفي الوقت ده، كان هو مجرد موظف صغير.
سكتت.
وبعدين قالت
وبعد جوازكم بشهرين، حصل تعديل في ملكية المشروع.
قلبي بدأ يدق أسرع.
مين عمل التعديل؟
مدام إلهام بصت لي مباشرة.
سامح.
ضحكت من الصدمة.
مستحيل.
عندي المستندات.
قلبت الصفحات واحدة ورا التانية.
أسماء.
توقيعات.
تحويلات.
مراسلات.
كلها كانت قدامي.
لكن الحاجة اللي خلت إيدي ترتعش
كانت آخر ورقة.
إقرار باستلام مبلغ كبير مقابل نقل حقوق المشروع.
والاسم الموجود أسفل الورقة
كان اسم سامح.
همست
هو أخد فلوس؟
أيوه.
باسمي؟
أيوه.
سكت.
كنت حاسة إن كل السنين اللي فاتت بتتجمع قدامي في لحظة واحدة.
البيت.
المصاريف.
الوعود.
وكلامه المستمر عن إن أنا ست بيت.
وفجأة فهمت ليه عمره ما كان بيسألني عن شغلي.
هو ما كانش شايفني ست بيت.
هو كان محتاجني أصدق إني مجرد ست بيت.
عشان ما أدورش وراه.
فتحت الصفحة الأخيرة.
كان فيها سطر واحد مكتوب بخط إيده
الطرف الأول يتنازل عن جميع حقوقه المستقبلية.
اتجمدت.
أنا ما وقعتش ده.
مدام إلهام قالت
عشان كده طلبت منك تيجي النهاردة.
ليه؟
لأن الأصل موجود.
رفعت عيني لها.
فين؟
قالت
عند الشخص اللي كان سامح فاكر إنه مات.
سكتُّ.
مين؟
قبل ما تجاوب، الباب اتفتح فجأة.
سامح دخل.
كان متوتر، لكن المرة دي ما كانش لوحده.
ورا ظهره كان واقف رجل في أواخر الستينات.
بمجرد ما شوفته
الملف وقع من إيدي.
لأن الرجل ده
كان أبويا.
واللي سامح كان بيقول لي من سبع سنين إنه سافر ومش عايز يعرف أي حد مكانه.
بصيت لأبويا.
وبعدين لسامح.
أنت قلتلي إنه مات.
سامح ما ردش.
أبويا بص

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *