صمت غفران حكايات اماني السيد

قبل زواجي بأيام، جلست أمي بجواري تمسك يدي، وكأنها تسلّمني آخر وصاياها قبل أن أغادر بيت أبي إلى بيت رجل آخر. نظرت في عينيّ طويلًا، ثم قالت بنبرة جادة لم أعتدها منها:ـ الراجل يا بنتي لو حس إن مراته بتحاصره، بيزهق منها ويبعد عنها.

سيبيه على راحته، ومتدوريش وراه، ومهما شفتي حاجة ضايقتك عديها. أهم حاجة بيتك يفضل واقف. جوزك غني، وهتلاقي حواليه بنات كتير، ولو فضلتي مركزة دي قالت إيه ودي عملت إيه، هتتعبي نفسك بإيدك. كنت أستمع إليها باهتمام شديد، وأهز رأسي مع كل كلمة.

لم أكن أراها امرأة تخيفني من الزواج، بل كنت أراها امرأة سبقتني إلى الطريق، وعاشت ما لم أعشه، ولذلك ظننت أن كل كلمة تخرج من فمها هي خلاصة عمر كامل من التجارب. قالت وهي تضغط على يدي:ـ ومتقوليش له: رايح فين؟ جاي منين؟ مين اللي كلمك؟ وليه اتأخرت؟

ة فيه. ابتسمت لها وقتها وقلت بثقة الفتاة التي لم تعرف بعد أن بعض النصائح قد تُفهم بطريقة خاطئة:ـ هعمل زي ما قولتي يا أمي. كنت أريد أن أكون زوجة جيدة.

زوجة هادئة، لا تلاحق زوجها بالأسئلة، ولا تفتش هاتفه، ولا تحاسبه على كل دقيقة تأخير، ولا تجعل بيته مكانًا يهرب منه كلما ضاق صدره. لكنني لم أفهم وقتها أن هناك فرقًا شاسعًا بين أن تمنحي زوجك مساحة من الحرية، وبين أن تلغي وجودك تمامًا من حياته.

لم أفهم أن الثقة لا تعني أن تغلقي عينيك. وأن التغاضي عن بعض الأخطاء لا يعني أن تسمحي لأحد بأن يتجاوز حدودك. وأن الحفاظ على البيت لا يكون دائمًا بالصمت… أحيانًا يكون الكلام هو الشيء الوحيد القادر على إنقاذه.

لكنني كنت صغيرة، وممتلئة بالأمل، ومقتنعة أن المرأة الذكية هي التي تعرف كيف تحتوي زوجها، فقررت أن أكون زوجة صالحة صامتة. قررت أن أغمض عيني عن الأخطاء الصغيرة، وأمرر ما يضايقني، وأمنحه المساحة التي طلبتها مني أمي، على أمل أن يرى في هدوئي احترامًا، وفي طاعتي حبًا، وفي صمتي ثقة.

كنت أظن أن الرجل حين يجد زوجة لا تزعجه ولا تحاصره ولا تسأله كثيرًا، سيزداد تمسكًا بها. ولم أكن أعرف أن بعض الرجال حين يجدون امرأة لا تسأل… لا يشكرونها على ثقتها، بل يختبرون إلى أي مدى تستطيع أن تصمت. في اليوم الأول من زواجنا، كان كل شيء جديدًا عليّ.

البيت، الغرفة، وجود رجل أصبح زوجي بين ليلة وضحاها، وحتى الطريقة التي بدأت أنظر بها إليه. لم تعد بيننا تلك المسافة التي كانت تفرضها الخطوبة والخجل والحدود. اقتربت منه كما تقترب امرأة من حياتها الجديدة؛ بلا حواجز، وبقلب مفتوح، وبثقة كاملة أن هذا الرجل أصبح الآن شريكي وسندي.

1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *