حكايات السيد
الأوضة بقت شبه المقبرة.. صمت رهيب ومخيف، مفيش غير صوت شهقات سلمى اللي خلاص مكنتش قادرة تكتمها، قعدت على الشنطة في الأرض وحطت وشها بين إيديها وانهارت بالبكاء.. صوت بكاها كان بيقطع في لحمي حتة حتة.
أنا وقفت مكاني مش قادر اتحرك.
افتكرت كل مرة كنت برجع فيها وألاقيها عينيها حمرا، ولما أسألها تقولي مفيش، البصل حرق عيني، أو شوية صداع بس يا حبيبي..
افتكرت لما كانت بتيجي تقعد جنبي وتتنهد تنهيدة طالعة من قاع روحها، وأنا أقولها مالك يا سلمى؟ تقولي نفسي نعيش في مكان لوحدنا يا يوسف، وكنت بتعصب عليها وأقولها عايزة تفرقيني عن أهلي وعن أمي؟! إنتي ست أنانية!.
كل المشاهد دي مرت قدام عيني زي شريط سينما، وكل مشهد كان بيغرز وجع في قلبي. أنا اللي كنت أعمى.. أنا اللي كنت فاكر إني راجل وبحافظ على أهلي، وطلعت سايب أكتر إنسانة حبتني تتداس تحت رجليهم وأنا شريك في الظلم ده بسكوتي وغبائي.
قربت من سلمى ببطء، ونزلت على ركبي قدامها في الأرض.. مكنتش خايف من نظرة طارق، ولا نظرة نهى، ولا حد في الدنيا.. مسكت إيديها اللي كانت بتترعش، حاولت تسحبهم مني، بس مسكتهم بقوة، ورفعت وشها ليا.
عيونها كانت متورمة، وملامحها اللي بحبها كانت دبلانة ومكسورة بسببي وبسبب عيلتي.
سلمى.. صوتي طلع مبحوح ومكسور: ليه؟! ليه مقولتليش؟! ليه شيلتي كل ده لوحدك وخليتيني أبان قدام نفسي وقدامك بالندالة دي؟!
سلمى بصتلي بكسرة وقالت بصوت متقطع:
كنت هقولك إيه يا يوسف؟ كنت هقولك أخوك الكبير خد حقي وبيهددني؟! كنت هقولك أختك بتعاملني كأني جارية وبتمد إيدها عليا؟! كنت هقولك أمك اللي إنت بتعبد ترابها بتعيرني بفقر أهلي وتوفى أبويا؟! لو كنت قلتلك، كنت هحطك في نفس الموقف ده.. كنت هخليك تختار بيني وبينهم، وأنا عارفة إنك كنت هتختارهم وتدبحني عشان تريح ضميرك وتقول أهلي! استحملت وقولت بكرة يحسوا، بكرة يعرفوا إني بنت ناس ومتربية وإني شايلاهم عشانك.. بس أنتوا معتبرتوش ده أصل.. أنتوا اعتبرتوه ضعف وقلة حيلة!
كلامها كان كلماتها ثقيلة بتنزل على دماغي، مفضلش عندي أي مبرر أقوله، مكنش عندي غير ندم بيحرق كياني.
طارق من ورايا، كأنه حس إن الأرض بتتسحب من تحت رجليه وسلطته على البيت بتنتهي، اتكلم بصوت فحيح ومليان غل:
ما هو ده اللي إنتي عايزاه يا ست سلمى، صح؟! عايزة تقلبي البيت حريقة وتفرقي الإخوات عن بعض وتطلعي إنتي الملايكة وإحنا الشياطين! ماشي يا يوسف.. وطّي وبوس رجلين مراتك، بس اعمل حسابك، الباب اللي تخرج منه الست دي مش هيكون ليك فيه مكان بينا.. اختار دلوقتي، يا تخرج معاها وتنسى إنك ليك عيلة، يا تقف مع إخواتك وتنهي المهزلة دي وتطلّقها رسمي!