لكل مريض نفسي حكايه

أمي ابتسمت، وعينيها لمعت بالدموع.

قالت:

“كده أقدر أقول إن تعبي مراحش هدر.”

حضنتها، وفضلت ماسكة إيديها، وأنا بوعد نفسي إن الست دي عمرها ما هتحس تاني إنها عبء على حد.

لكن قبل ما نمشي، أمي طلبت مني أجيب الشنطة البني القديمة من الدولاب.

جبتها وحطيتها قدامها، فسحبت منها ظرف صغير كنت أول مرة أشوفه.

قالتلي:

“ده آخر حاجة أبوكي سابهالي، وكنت مستنية لما تكبري وتفهمي ليه احتفظت بيه.”

فتحت الظرف، ولقيت صورة قديمة ليا وأنا طفلة، واقفة جنب أبويا، وورا الصورة مكتوب بخطه:

“لأمنية ومحمود، لو اختلفتم يومًا، افتكروا إنكم كنتم طفلين، وإن أكتر حاجة كنت بخاف منها مش الفقر، لكن إن واحد فيكم ينسى إنه مسؤول عن قلب التاني.”

بصيت لأمي ودموعي نزلت.

قالتلي:

“أبوك كان عارف إن الدنيا ممكن تفرق بينكم، لكنه كان نفسه تفضلوا فاكرين إنكم عيلة واحدة.”

خدت الصورة وحطيتها في شنطتي، وقررت أحتفظ بيها طول عمري.

وفي المساء، محمود جه يزور أمي، وكان معاه أول قسط من المبلغ اللي التزم يرجعه، ومعاه ورقة من المحامي بتثبت استلام المبلغ.

حط الورقة قدامي وقال:

“ده مش تمن السماح، ولا تمن إنك ترجعي تثقي فيا. ده جزء من حقك، وأنا هكمل الباقي زي ما اتفقنا.”

بصيتله وقلت:

“أنا مقدرة إنك بدأت تصلح، لكن خلينا نكمل بهدوء، وكل حاجة تبقى واضحة.”

هز راسه، وبعدين قرب من أمي وباس إيديها.

قالها:

“أنا مش عايزك تخافي من بكرة يا أمي. طول ما أنا عايش، مش هسيبك محتاجة حاجة.”

أمي بصتله وقالت:

“أنا مش محتاجة وعود كبيرة يا محمود. أنا محتاجة أشوفك موجود لما أنادي عليك، وتسمعني لما أتكلم، ومتخلينيش أحس إني عبء. دي أغلى حاجة عندي.”

محمود حضنها وقال:

“حاضر يا أمي.”

وقتها فهمت إن اليوم اللي بدأ بقرار قاسي، يوم أخويا كان عايز يودّي فيه أمي دار مسنين، انتهى بقرار أهم بكتير: إننا نواجه الحقيقة بدل ما نهرب منها، وخلينا نواجه مسؤولياتنا.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *