لكل مريض نفسي حكايه
وأنا كنت برجع بيتي وقلبي بيتقطع عليها، بس كنت فاكرة إن مهما حصل، محمود مستحيل يتخلى عنها.
لحد اليوم اللي كلمني فيه وقاللي إنه قرر يوديها دار مسنين!
أول ما سمعت كلامه، حطيت إيدي على صدري من الصدمة وقلتله: “إنت اتجننت يا محمود؟! إنت بتقول إيه؟ دي أمنا!”
رد عليا ببرود: “أنا تعبت يا أمنية، ومبقتش قادر أستحمل. أنا عندي شغل وعيال ومسؤوليات، ومش معقول أفضل طول اليوم أجري بيها على الدكاترة، ليه أنا اللي أستحمل وأشيلها؟”
قلتله بغضب: “علشان إنت ابنها الوحيد! هي دي اللي شالتنا إحنا الاتنين، وحرمت نفسها من الجواز والراحة عشاننا. إنت نسيت كل ده؟”
رد بسخرية: “شالتنا؟ برافو عليكِ، هي شالتنا إحنا الاتنين، يعني لو مش عاجبك خديها عندك!”
ساعتها حسيت إن مفيش أمل من الكلام معاه.
مشيت من عنده وأنا مخنوقة، وروحت حكيت لجوزي كريم، عساه يحن ويوافق تيجي عندي.
لكنه اتنهد بحرج وقاللي: “بصي يا أمنية، أنا مقدر زعلك، وعارف إن أمك غالية عندك، بس خلينا نبقى واقعيين. محمود ابنها، وهو أولى برعايتها مني.”
قلتله بدموع: “بس هو خلاص مش راضي وهيوديها الدار!”
اتنهد بحزن وقالي: “والله يا حبيبتي كنت أتمنى أساعدك، بس أنا لما جيت أتجوزك أمي كانت عايزاني أعيش معاها في بيت أبويا، وأنا جبت الشقة دي وزعلتها وصممت أعيش لوحدي عشان أستقل، فمش هقدر بعد ما اخترت أبعد عن أمي أقولك هاتي أمك تعيش معانا.”
كلامه وجعني، بس ملقتش رد أقوله. هو فعلًا معاه حق، وأنا كنت عارفة إنه مش هيوافق إنها تعيش معانا.
فضلت طول الليل بعيط، وأنا بفكر هعمل إيه، لحد ما جه الصبح وقررت أروح لأمي وأكون معاها وهي بتروح الدار، على الأقل أعرف مكانها وأقدر أزورها كل يوم.
ولما وصلت، لقيت محمود مجهز العربية، وهبة واقفة عند الباب ووشها مش قادر يخبي فرحته، وبتقول لأمي بنبرة مصطنعة: “معلش يا حماتي، هنفضل نيجي نزورك على طول، وإنتِ هترتاحي هناك أكتر من هنا.”
أمي كانت قاعدة على كرسي بعجل، ودموعها نازلة في صمت. كانت بتبص لشقتها، ولأوضة نومها، وللحاجات اللي عاشت وسطها سنين، وكأنها بتودع عمرها كله مش مجرد بيت.
أما أنا، فكنت واقفة جنبها بعيط، ومش قادرة أصدق إن الست اللي ضحت بعمرها كله عشاننا، بقت في يوم وليلة عبء محدش عايز يشيله.
أمي بصتلي وسط دموعها وابتسمت ابتسامة صغيرة، ابتسامة وجعت قلبي أكتر من عياطها.