لكل مريض نفسي حكايه

مسكت إيدي أنا ومحمود، وقالت:

“أنا مش عايزة حد فيكم يحس إنه مديون للتاني طول العمر. أمنية، حقك ليكي، ومحدش له فضل عليكي فيه. ومحمود، غلطك مسؤوليتك، لكن الغلط مش نهاية حياتك لو قررت تصلحه. أنا عايزاكم تفضلوا إخوات، بس إخوات بيحترموا بعض، مش واحد فيهم يخاف من التاني.”

محمود نزل على ركبته قدامها، وحط راسه في حجرها، وقال:

“سامحيني يا أمي. أنا عارف إني وجعتك، ووجعت أمنية، وضيعت أمانة أبويا. ومش هطلب منك تنسي، بس هفضل أحاول أعوضكم عن اللي عملته.”

أمي حطت إيدها على راسه، وفضلت تمسح على شعره زي ما كانت بتعمل وهو صغير.

قالت:

“قوم يا ابني. أنا مسامحاك، بس افتكر إن السماح مسؤولية، وإنك لازم تبقى قد الكلمة اللي بتقولها.”

محمود قام وحضنها، وأنا قربت منهم وحضنتهم هما الاتنين.

فضلنا واقفين كده وقت طويل، من غير كلام، كأن كل واحد فينا بيحاول يعوض لحظة كان المفروض يعيشها من زمان.

بعدها بأسبوع، أمي تعبت شوية، والدكتور طلب إنها ترتاح وتقلل الحركة، ففضلت عندي يومين بموافقتها، وكريم اهتم بتجهيز أوضة هادية ليها، وحرص إنها تكون مرتاحة.

ولما رجعت بيتها، محمود كان مستنيها عند الباب، ومعاه كرسي جديد يساعدها تتحرك براحة أكبر.

قالها:

“ده عشانك يا أمي. شوفتك بتتعبي وإنتِ بتتحركي، فقلت أجيبلك حاجة تساعدك.”

أمي ابتسمت وقالت:

“ربنا يخليك يا ابني.”

وبعدين بصتلي وأضافت:

“شايفة يا أمنية؟ التغيير مش بيحصل في يوم، لكنه بيبان في التفاصيل الصغيرة.”

أنا ابتسمت، وحسيت إن جوايا حاجة بدأت تهدى.

وفي الليلة دي، رجعت بيتي، وفتحت درج التسريحة، وطلعت رسالة أبويا اللي كنت محتفظة بيها.

قريتها مرة تانية، ووقفت عند الجملة اللي كان بيقول فيها إن كرامتي مش مرتبطة بوجودي تحت رحمة أي إنسان، مهما كان قريب مني.

فهمت أخيرًا إن أبويا مكنش بيوصيني بالفلوس ولا بالبيت بس، لكنه كان بيوصيني إني أعرف قيمة نفسي، وأحافظ على حقي، وأحب عيلتي من غير ما أسمح للحب إنه يتحول لخوف أو ضعف.

وفي اليوم اللي بعده، رحت لأمي، وقعدت جنبها في البلكونة، وكانت الشمس داخلة على وشها بهدوء.

قالتلي:

“كنت بتفكري في إيه امبارح؟”

ابتسمت وقلت:

“في أبويا، وفيكي، وفي كل اللي حصل.”

مسكت إيدي وقالت:

“وعرفتي إيه؟”

قلت:

“عرفت إنك ضحيتي كتير كتير عشاننا، وإنك كنتِ بتتمني نريحك لما تكبري، مش إنك تبقي خايفة مننا. وعرفت إن الحق لازم يرجع، حتى لو صاحبه أقرب الناس لينا. وعرفت إن التسامح مش معناه إننا ننسى، لكنه معناه إننا نقدر نكمل من غير ما نعيش أسرى للي فات.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *