لكل مريض نفسي حكايه
أمي ابتسمت، وكأنها أخيرًا حست إن بنتها اللي كانت بتخاف تزعل أي حد بدأت تعرف تحمي نفسها.
بعد الاجتماع، محمود طلب مني أتكلم معاه لوحدنا.
وقفنا في ممر المكتب، وقال:
“أمنية، أنا عارف إن الاعتذار مش كفاية، بس عايزك تعرفي إني كل يوم بفكر في اللي عملته. كنت فاكر إن السكوت هيخليني أعدي من المشكلة، لكن كل ما الوقت عدى، المشكلة كبرت، وأنا بقيت بخاف من اليوم اللي الحقيقة تظهر فيه.”
قلتله:
“الحقيقة ظهرت يا محمود، ومش بإيدي أنا. ظهرت لأن أمي تعبت من السكوت.”
هز راسه وقال:
“عارف.”
قلتله:
“أنا مش هقولك إني سامحتك، لأني لسه موجوعة. لكن مش هقف في طريقك لو إنت فعلًا ناوي تصلح. أثبت ده بأفعالك، مش بكلامك.”
محمود بصلي وقال:
“هحاول.”
قلتله:
“لأ، مش هتحاول. هتعمل اللي تقدر عليه، وهتكون صريح. لأن أمي مش هتعيش العمر كله مستنية تشوف ابنها اتغير ولا لأ.”
رجعنا البيت، وبدأت حياتنا تتغير بالتدريج.
أمي بقت تقضي أيامها بين بيتها القديم وزياراتها ليا، حسب حالتها الصحية ورغبتها. الممرضة كانت بتساعدها، وأنا كنت بتابع أدويتها ومواعيدها، ومحمود بدأ يشارك في المصاريف والرعاية بشكل منتظم.
مش كل حاجة بقت مثالية، ولا كل خلاف اختفى، لكن على الأقل بقى فيه اتفاق واضح، وبقى فيه حد أدنى من الاحترام.
وفي يوم، وأنا عند أمي، لقيتها بتجهز شنطة صغيرة.
سألتها:
“إنتِ رايحة فين يا أمي؟”
قالت:
“عايزة أزور قبر أبوكي.”
اتفقنا نروح سوا، وكريم جه معانا، ومحمود كمان حضر.
وقفنا قدام القبر، وأمي فضلت تدعي لأبويا، وبعدها قالت بصوت واطي:
“يا رب تكون مطمن علينا، ويا رب تصلح حال ولادك.”
محمود كان واقف بعيد شوية، وبعد ما خلصنا، قرب من القبر وحط إيده عليه.
قال بصوت مخنوق:
“سامحني يا أبويا. أنا خذلتك.”
أمي سمعت كلامه، لكنها مقلتش حاجة.
أما أنا، فحسيت إن قلبي بيوجعني عليه، رغم كل اللي عمله.
لأنه في النهاية أخويا، والشخص اللي عشت معاه طفولتي، واللي كنت بفتكر إنه هيحميني من الدنيا.
لكن الحب مش معناه إننا ننسى الغلط، ولا إننا نسمح لحد يكرر نفس الوجع.
رجعنا البيت، وبعد كام يوم، محمود جه عندي من غير ما يحدد ميعاد.
كان معاه ملف صغير، وحطه قدامي.
قال:
“دي كل المستندات اللي قدرت أجمعها، ودي حسابات واضحة بالمبالغ اللي دفعتها واللي عليا. المحامي راجعها، وهنكمل الإجراءات من غير ما نخبي حاجة.”