لكل مريض نفسي حكايه

وقف مكانه، وبدأ يتكلم بسرعة:

“أنا كنت صغير لما أبويا مات، ومكنتش فاهم كل حاجة. بعدين الورق ده اختفى، وأنا افتكرت إن الموضوع خلص.”

أمي بصتله بحزن وقالت:

“الورق مكنش مختفي يا محمود. إنت اللي أخدته مني يوم ما كنت بتساعدني أرتب حاجات أبوك، وقلتلي إنك هتحافظ عليه.”

محمود اتلجلج وقال: “أنا… أنا مش فاكر.”

أمي هزت راسها وقالت: “أنا فاكرة كويس. وفاكرة كمان لما سألتك عنه بعد كام سنة، قلتلي إن البيت اتباع وإن الفلوس راحت في الديون.”

بصيت لأخويا وأنا حاسة إني مش عارفة الشخص اللي واقف قدامي.

قلتله: “إنت قلتلي وقتها إن أبويا مكنش سايب غير الشقة الصغيرة دي، وإنك إنت اللي كنت بتصرف علينا بعد وفاته!”

رد بعصبية: “أنا فعلًا صرفت عليكم! أنا اللي كنت بجيب طلبات البيت، وأنا اللي كنت بساعد أمي!”

أمي رفعت صوتها لأول مرة:

“وأنا عمري ما أنكرت إنك ساعدت، لكن المساعدة مش معناها إنك تاخد حق أختك! أبوك كان سايب فلوس كفاية تسدد الديون، وكان سايب البيت ده، وإنت كنت عارف!”

هبة بصت لمحمود بصدمة وقالت:

“إنت عمرك ما قلتلي إن فيه بيت تاني باسمكم!”

محمود لف ناحيتها وقال: “هبة، مش وقت الكلام ده.”

لكنها مكنتش مستعدة تسكت.

“لأ، ده وقته! أنا كنت فاكرة إنك بتصرف على أمك من جيبك، وإنك شايل مسؤوليتها لوحدك، وكنت كل يوم أسمعك تشتكي إن مصاريفها كتير وإنها واخدة من حق عيالك. دلوقتي بكتشف إن فيه بيت وحق لأختك، وإنت مخبي كل ده؟”

محمود صرخ فيها: “قلتلك مش وقت الكلام!”

أمي اتخضت من صوته، فمسكت إيدي بقوة، وأنا قربت منها وقلتله:

“وطّي صوتك، دي أمك!”

بصلي بغضب وقال: “إنتِ جاية النهارده تعملي مشكلة؟”

قلتله: “أنا جيت أودع أمي، لكن اكتشفت إن أخويا مخبي عني حق أبويا من سنين. إنت اللي عملت المشكلة يا محمود.”

أمي فتحت الظرف تاني وطلعت ورقة صغيرة، كانت مطوية بعناية ومحطوطة جوه كيس بلاستيك.

قالتلي: “دي رسالة أبوكي ليكي يا أمنية. أنا كنت محتفظة بيها من يوم ما مات، وكنت مستنية لما تكبري وتبقي قادرة تفهمي كل حاجة.”

خدت الرسالة بإيد بتترعش.

كان خط أبويا واضح، رغم إن الورقة اصفر لونها من الزمن.

فتحتها وبدأت أقرأ:

“بنتي أمنية، لو الرسالة دي وصلتلك، يبقى أنا مشيت من الدنيا، وإنتِ كبرتي وبقيتي قادرة تفهمي كلامي. أنا عارف إنك صغيرة، وعارف إن أخوكي محمود أكبر منك، وعشان كده وصيت أمك إنها تحافظ على حقك لحد ما تكبري. أنا مش عايزك تزعلي من أخوكي، ولا عايزكوا تختلفوا على المال، لكن عايزك تعرفي إن حقك مش مِنّة من حد، وإن كرامتك مش مرتبطة بوجودك تحت رحمة أي إنسان، مهما كان قريب منك. خليكي دايمًا سند لأمك، وخلي بالك من أخوكي، لكن متسمحيش لحد يضيع حقك باسم العيلة. أبوكي اللي بيحبك.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *