لكل مريض نفسي حكايه

وصلت لآخر سطر، ودموعي نزلت على الورقة.

افتكرت أبويا وهو شايلني وأنا صغيرة، وافتكرت إزاي كنت بستخبى في حضنه لما أخاف من صوت الرعد. افتكرت إنه مات فجأة، وإننا وقتها مكناش فاهمين يعني إيه موت، ولا يعني إيه إن البيت يبقى ناقص صاحبه.

حضنت الرسالة لصدري وعيطت.

أمي مسحت على شعري وقالت:

“أبوك كان بيحبك أوي يا بنتي. وكان دايمًا خايف عليكي، لأنه كان عارف إنك طيبة، وإنك ممكن تسكتي عن حقك عشان متزعليش حد.”

بصيت لمحمود، لقيته واقف ووشه شاحب.

قلتله: “ليه يا محمود؟ ليه تعمل فيا كده؟ أنا عمري ما طلبت منك حاجة، ولا جيت في يوم قولتلك اديني فلوس، ولا حملتك مسؤولية بيتي. كنت فاكرة إنك أخويا، وإن لو الدنيا كلها وقفت ضدي، إنت هتبقى أول واحد يقف جنبي.”

محمود نزل عينه للأرض.

ولأول مرة من سنين، مكنش عنده رد جاهز.

لكن أنا لسه مكنتش أعرف إن الحقيقة اللي اتكشفت دي مجرد أول باب، وإن ورا الورق القديم سر تاني، كان ممكن يغير حياتنا كلنا.

أمي أخدت نفس طويل وقالت:

“يا محمود، أنا مش عايزة منك فلوس، ولا عايزة أحرمك من حاجة. أنا عايزة أعرف ليه عملت كده في أختك، وليه بعد كل السنين دي لسه شايفني عبء عليك.”

محمود رفع راسه وقال بصوت مهزوز:

“أنا مكنتش ناوي أوديكي الدار عشان أخلص منك يا أمي.”

هبة بصتله باستنكار، لكنه كمل:

“أنا فعلًا كنت تعبان. كل يوم مشاكل، ومصاريف، ودكاترة، وأنا حاسس إني مش قادر أعمل حاجة صح. بس ده مش معناه إني مش بحبك.”

أمي سألته بهدوء:

“والبيت اللي أبوك سابه؟”

سكت شوية، وبعدين قال:

“أنا أخدته.”

الجملة نزلت علينا زي الصاعقة.

حتى هبة حطت إيدها على بقها.

محمود كمل بصعوبة:

“بعد ما أبويا مات، كان فيه ديون، وأنا كنت خايف البيت يضيع. اشتغلت مع واحد صاحبي في تجارة، وخسرت فلوس كتير. وبعدين اضطريت أبيع البيت عشان أسدد اللي عليا.”

أمي بصتله في عينه وقالت:

“وحق أختك؟”

رد بصوت واطي:

“أنا كنت ناوي أعوضها.”

قلتله بمرارة:

“بعد كام سنة يا محمود؟ بعد ما أموت؟ ولا بعد ما أمي تموت؟ ولا كنت مستني إيه بالظبط؟”

محمود قال بسرعة:

“والله يا أمنية، أنا كنت كل مرة أقول هعوضك، تحصل حاجة، وتعدي سنة ورا سنة. وبعدين اتجوزت وخلفت، ومصاريف البيت زادت، وبقيت خايف لو قلتلك الحقيقة تخاصميني وتفضحيني.”

هبة ردت عليه بذهول:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *