لكل مريض نفسي حكايه

قعدت أقلب في الأوراق، ولقيت إنه فعلًا بدأ ينفذ الاتفاق، وإن فيه التزام مكتوب بسداد المبلغ المتفق عليه على مراحل.

بصيتله وقلت:

“شكرًا إنك عملت الخطوة دي.”

ابتسم بحزن وقال:

“متشكرنيش، ده حقك.”

كانت أول مرة أسمعك تقول الجملة دي من غير ما يحاول يبرر أو يهرب.

وبعدها سألني:

“أقدر أزورك أنا والولاد يوم الجمعة؟”

بصيتله شوية، وبعدين قلت:

“طبعًا. إنت أخويا، وولادك ولاد أخويا. بس خلينا نبدأ من جديد واحدة واحدة، ومن غير أسرار.”

هز راسه وقال:

“موافق.”

يوم الجمعة، جه محمود مع يوسف وأخته الصغيرة، وجابوا لأمي وردة كبيرة، وكعكة كانت بتحبها.

يوسف جري على جدته وقال:

“تيتة، أنا جبتلك ورد، عشان إنتِ أحلى تيتة في الدنيا.”

أمي حضنته وفضلت تضحك وتعيط في نفس الوقت.

قعدنا كلنا حوالين الترابيزة، وأمي حكت للولاد حكايات عن أبوهم وهو صغير، وعن شقاوته، وعن الأيام اللي كان يرجع فيها من المدرسة هدومه متبهدلة.

محمود ضحك لأول مرة من قلبه، وأنا لقيت نفسي بضحك معاه، رغم إن جوايا لسه آثار للوجع.

في آخر اليوم، وأنا بساعد أمي تدخل أوضتها، مسكت إيدي وقالت:

“شايفة يا أمنية؟ البيت لما يبقى فيه صدق، حتى لو اتكسر، ممكن يتصلح.”

بصيتلها وقلت:

“بس مش كل حاجة بترجع زي الأول يا أمي.”

قالت:

“عارفة يا بنتي. في حاجات بتتصلح، وفي حاجات بتسيب علامة. المهم إن العلامة متبقاش سبب إننا نكرر نفس الغلط.”

عدت شهور، وأمي بدأت تستقر صحيًا مع المتابعة المنتظمة، وبقت تقضي وقت أطول مع أحفادها. وأنا ومحمود فضلنا نراجع ملف الحقوق والمستندات لحد ما كل حاجة بقت واضحة، واتنفذ الاتفاق المكتوب بيننا تحت إشراف المحامي.

محمود ما بقاش الشخص المثالي فجأة، وأنا ما نسيتش اللي حصل في يوم وليلة، لكن بقيت أقدر أتعامل معاه من غير ما أعيش كل مرة في خوف من إنه يخبي عني حاجة جديدة.

وفي يوم، أمي طلبت مننا نقعد كلنا في الصالة.

كانت لابسة فستانها الكحلي اللي بتحبه، وشعرها الأبيض متسرح بعناية، ووشها هادي.

قالت:

“أنا عايزة أقولكم حاجة، ومش عايزاكم تقاطعوني.”

قعدت قدامها.

قالت:

“أنا عشت عمري كله أخاف عليكم من الفقر، ومن الوحدة، ومن إن الدنيا تفرقكم. كنت فاكرة إن لو فضلت شايلة كل حاجة لوحدي، هقدر أحميكم من أي وجع. لكن اكتشفت إن السكوت ساعات بيخلي الوجع يكبر، وإن الأم مش دايمًا بتقدر تصلح كل حاجة بنفسها.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *