لكل مريض نفسي حكايه
رجعت بيها للصالة، وأمي أول ما شافتها عينيها دمعت.
مدت إيدها المرتعشة وخدتها مني، وحطتها على حجرها، وبصت لمحمود وقالت:
“فاكر يوم ما أبوك مات؟”
محمود اتنهد وقال: “أيوه يا أمي، هو أنا ممكن أنسى اليوم ده؟”
قالتله: “فاكر لما كنت بتسألني كل شوية عن ورق الشقة اللي كنا عايشين فيها؟”
اتغير وشه للحظة، لكنه حاول يخفي ده وقال: “أيوه، وإيه علاقة ده بالموضوع؟”
أمي فتحت الشنطة وطلعت منها ظرف كبير، لونه أصفر، ومكتوب عليه بخط أبويا اسمها.
قالت: “أبوك قبل ما يموت بشهر، كان حاسس إن عمره قرب يخلص. كان تعبان، بس عقله كان صاحي، وكان عارف إنه لازم يضمن مستقبل ولاده.”
محمود قرب خطوة، وقال: “إنتِ بتتكلمي عن إيه بالظبط؟”
أمي تجاهلته، وفتحت الظرف وطلعت منه ورق قديم، وصورة لأبويا وهو واقف قدام عمارة كبيرة.
أول ما شفت الصورة، أمي قالتلي:
“ده البيت اللي أبوكي اشتراه من تعبه وشقاه، البيت اللي كان نفسه تعيشي فيه إنتِ وأخوكي من غير ما تحتاجوا لحد.”
محمود خطف الصورة من إيدها وبص فيها، وفجأة وشه اتغير.
أنا معرفش إيه اللي شافه في الصورة خلاه يتوتر بالشكل ده، لكنه رجع الورقة بسرعة وقال:
“يا أمي، الكلام ده قديم، ومش وقته. إحنا لازم نمشي.”
أمي مسكت طرف الورقة وقالت بحزم:
“لأ، وقته جه. أنا سكت كتير، وسكت عشان كنت فاكرة إنك هتراعي أختك، وإنك مش هتنسى إنكم إخوات. لكن لما شوفتك بتجهزني عشان توديني دار مسنين، عرفت إن السكوت بقى غلط.”
هبة تدخلت وقالت بتوتر:
“يا ماما، إحنا مش فاهمين حاجة. هو فيه إيه؟”
أمي بصتلها وقالت: “هتفهمي يا بنتي، بس خليني أخلص كلامي.”
وبعدين طلعت ورقة تانية، وحطتها قدام محمود.
“دي وصية أبوك، وده إثبات حقكم في البيت. أبوكم كتب إن البيت يكون من حق ولاده الاتنين، وإن محدش فيهم يقدر يحرم التاني من نصيبه.”
أنا حسيت إن نفسي اتسحب مني.
بصيت لمحمود وقلت: “إنت كنت عارف؟”
محمود سكت.
كررت سؤالي بصوت أعلى: “محمود، إنت كنت عارف إن لينا بيت؟ وإن ليا حق فيه؟”
رفع عينه ليا وقال: “أمنية، الموضوع مش زي ما إنتِ فاهمة.”
ضحكت ضحكة قصيرة مليانة وجع وقلتله: “أمال زي إيه؟ أمي لسه قايلالي إن أبويا ساب حق لينا، وإنت واقف ساكت! اتكلم!”
محمود حاول ياخد الورق من أمي، لكنه ضمته لصدرها وقالت:
“إيدك يا محمود. المرة دي مش هتخبي حاجة.”